تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي

434

شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )

وهذا الكلامُ وإن كان صحيحاً وتعميقاً لاعتراض الأعلام ، ولكنّه لا يبرزُ نكتةَ الفرقِ بينَ المجالين ، ولا يحلُّ الشبهةَ التي يستندُ إليها التفصيلُ على النحو الذي شرحناه آنفاً . فالتحقيقُ الذي يفي بذلك أن يقال : إنّ ملاكَ حجّية الظهورِ هو كشفُه ، ولكن لا كشفُه عند المكلّف ، بل كشفُه في نظر المولى ، بمعنى : أنّ المولى حينما يَلحظُ ظواهرَ كلامِه ، فتارةً : يلحظُها بنظرةٍ تفصيلية ، فيستطيعُ بذلك أن يميّزَ بصورةٍ جازمةٍ ما أُريدَ به ظاهرُه عن غيره ؛ لأنّه الأعرفُ بمراده ، وأخرى : يلحظُها بنظرةٍ إجمالية ، فيرى أنّ الغالبَ هو إرادةُ المعنى الظاهر ، وذلك يجعلُ الغلبةَ كاشفاً ظنّياً عند المولى عن إرادة المعنى الظاهر بالنسبة إلى كلِّ كلامٍ صادرٍ منه حينما يلحظُه بنحو الإجمال ، وهذا الكشفُ هو ملاكُ الحجّية ؛ لوضوح أنّ حجّيةَ الأمارةِ حكمٌ ظاهريّ واردٌ لحفظ الأغراضِ الواقعيةِ الأكثرِ أهميّةً ، وهذه الأهميّةُ قد اكتسَبتْها الأغراضُ الواقعيةُ التي تحفظُها الأمارةُ المعتبرةُ بلحاظ قوّةِ الاحتمال ، كما تقدّم في محلّه . ومن الواضحِ أنّ قوّةَ الاحتمال المؤثّرةِ في اهتمام المولى إنّما هي قوّةُ احتماله ، لا قوّةُ احتمالِ المكلّف . فمن هنا تُناطُ الحجّيةُ بحيثيّة الكشفِ الملحوظةِ للمولى - وهي الظهور - لا بالظنِّ الفعليِّ لدى المكلّف . وعلى هذا الأساس اختلفَ مجالُ الأغراضِ التكوينيةِ عن مجال علاقاتِ الآمرين بالمأمورين ؛ إذ المناطُ في المجال الأوّلِ كاشفية الظهورِ لدى نفسِ العاملِ به ، فقد يكونُ منوطاً بحصول الظنّ له ، والمناطُ في المجال الثاني مقدار كشفِه لدى الآمرِ الموجبِ لشدّةِ اهتمامهِ الداعيةِ إلى جعلِ الحجّية .